فوركس .. التوترات الجيوسياسة تهيمن على الأسواق مع بداية 2026

 فوركس .. التوترات الجيوسياسة تهيمن على الأسواق مع بداية 2026

دبي، 20 يناير 2026

مع انطلاق عام 2026 تجد الأسواق المالية نفسها عرضةً لضغط مألوف لكنه يبدو أكثر حدّة هذه المرة، يتمثل في تنامي هيمنة العوامل الجيوسياسية على آليات اكتشاف الأسعار. لطالما قامت الأسواق بتسعير حالة عدم اليقين، لذا فإن وجود المخاطر ليس أمراً جديداً بحد ذاته، إلا أن سرعة واتساع تأثير السرديات السياسية اليوم عبر مختلف فئات الأصول باتت أكبر من أي وقت مضى، ما يدفع إلى تبنّي مستويات أعلى من الحيطة والحذر.

تضافرُ تباطؤ البيانات الاقتصادية الأميركية، وبداية موسم إعلان الأرباح، واتساع علاوة المخاطر الجيوسياسية، وضعَ المستثمرين أمام مشهدٍ سوقي بات أكثر استجابةً للعناوين الإخبارية منه إلى الأساسيات. فمن تجدد النقاشات حول طموحات الولايات المتحدة للاستحواذ على غرينلاند، إلى مخاطر إعادة تشكيل الأنظمة في الشرق الأوسط عقب سقوط نظام مادورو في فنزويلا، وصولاً إلى التوترات غير المحسومة بين روسيا وأوكرانيا، تبدو الخلفية العالمية مثقلة على نحو غير اعتيادي بتصدعات سياسية متشابكة.

تأتي هذه الضغوط في وقتٍ تبدو فيه أسعار الأصول ممتدة بالفعل عند مستويات مرتفعة. فالذهب لا يزال يحافظ على مستويات عالية تفوق بكثير معدلاته الوسطيّة التاريخية متجاوزاً مستوى 4,500، فيما تواصل الفضة صعودها ضمن مسار أُسّي حاد، وقد ارتدّ النفط الخام نحو مستوى 60 مدفوعاً بتزايد الطلب على التحوّط. في المقابل، تختبر مؤشرات الأسهم الأميركية قمماً قياسية وسط تراجعٍ واضح في الزخم. وحتى الدولار الأميركي، الذي كان يُتوقع على نطاق واسع أن يتراجع مع تصاعد التكهنات بخفض أسعار الفائدة، لا يزال متماسكاً مستفيداً من طلب الملاذ الآمن. والنتيجة سوقٌ أصبحت فيها التقلبات سمةً هيكلية لا ظرفية.

في ظل هذه الظروف، تفقد القناعات التقليدية جزءاً كبيراً من فاعليتها. إذ باتت الأسواق تتشكل بتأثر أقل بالسرديات الاقتصادية الخطيّة، وبدرجة أكبر بالتحولات المفاجئة في النبرة السياسية، ما يجبر المستثمرين على إعطاء أولوية لاحتواء المخاطر على حساب محاولة التنبؤ.

وبدورها علقت رزان هلال، محللة الأسواق في شركة FOREX.com: “تكشف فترات كهذه حدود الاعتماد على التوقعات البحتة. فعندما تكون حركة الأسعار مستمرة في التمادي، وتكون العناوين الإخبارية قادرة على

قلب المعنويات بين ليلة وضحاها، تصبح إدارة الانكشاف بانضباط والتخطيط لمختلف السيناريوهات أكثر قيمة من محاولة أن تكون محقاً في تحديد الاتجاه.”

يتجلى هذا التحول بوضوح عبر مختلف فئات الأصول. فالمعادن النفيسة، التي طالما اعتُبرت من أبرز المستفيدين من القلق الجيوسياسي، تُظهر مسارات أسعار أكثر حدّة وتسارعاً. وقد حظيت الفضة باهتمام خاص نظراً لدورها المزدوج كأصل نقدي وصناعي، مع تقدمها نحو مستويات من خانة الأرقام الثلاثية، غير أن الاتجاهات الأُسّية تنطوي على مخاطر مرتفعة للتراجعات الحادة. وفي مثل هذه المراحل المتأخرة من دورة الزخم، قد تكون نقاط الدخول غير المتأنية قاسية العواقب، ما يعيد تسليط الضوء على أهمية حجم المراكز، والانتقائية في الدخول، وتحديد مستويات خروج واضحة ومسبقة.

في المقابل، يجسّد النفط الخام حالة التوتر القائمة بين الاضطرابات الجيوسياسية قصيرة الأجل والقوى الهيكلية الأطول أمداً. فعلى الرغم من تجدد قوة الأسعار مدفوعة بمخاوف الإمدادات ومخاطر مسارات الشحن، فإن الإطار العام الممتد على مدى سنوات لا يزال مقيداً. وتبدو الارتفاعات الأخيرة أقرب إلى سلوك تحوّطي معاكس للاتجاه السائد منها إلى تحوّل مؤكد في السردية الأساسية للعرض.

وتروي أسواق الأسهم بدورها قصة حذرة مماثلة. فالمؤشرات الأميركية لا تزال تحوم قرب مستويات قياسية — 50,000 لمؤشر داو جونز، و26,300 لناسداك، و7,000 لمؤشر S&P 500، و20 لمؤشر MSCI الإمارات — إلا أن إشارات التباعد، لا سيما الصادرة عن المؤشرات المثقلة بأسهم التكنولوجيا، توحي بتزايد الهشاشة. ومع تحوّل رؤوس الأموال نحو الأصول الدفاعية، باتت أصداء مراحل التراجعات السابقة أكثر صعوبة في التجاهل. وأصبح الحفاظ على الاستقرار فوق المستويات الفنية المحورية شرطاً مسبقاً لبناء الثقة، بدلاً من كونه أمراً مُسلّماً به.

“ما يبرز في المقام الأول من هذه البيئة هو دعوة واضحة إلى ضبط النفس”، وتضيف هلال: “يُجبر المستثمرون على إعادة النظر في أساسيات الحفاظ على رأس المال، من تحديد مستويات الإلغاء بوضوح، إلى مواءمة التحليل عبر أطر زمنية متعددة، واعتماد استراتيجيات تحوّط صُممت لاستيعاب التقلبات. ففي

الأسواق الحساسة للعناوين الإخبارية، يتسع نطاق الفرص والمخاطر معاً. أما أولئك القادرون على العمل بمرونة، وتعديل مستويات الانكشاف مع تطور السرديات، فهم الأقدر على اجتياز الأشهر المقبلة بثبات.”

مع انطلاق عام 2026، قد لا يكون التحدي المركزي للأسواق في تفسير العنوان الجيوسياسي التالي، بقدر ما يكون في إدارة الثقل التراكمي لجميع العناوين معاً. ومن هذا المنطلق، تصبح إدارة المخاطر هي الاستراتيجية الأساسية للعام القادم.